هاتاي بين جمال الطبيعة ... وألم الزلزال
أحمد صالح حلبي
قبل أن تقلع بي الطائرة متجهة إلى إسطنبول ومنها إلى هاتي جنوبي تركيا تلبية لدعوة وزارة البيئة والتخطيط العمراني وتغير المناخ التركية ، أخذت أتسال عن هاتاي المنطقة التي أتوجه إليها ، ماذا تحمل بداخلها من اسرار تاريخية ، وماذا تحتضن من جمال طبيعي ، وماذا يحمل قلبها من ألم ، أسئلة متعددة لكنها أتت كما تأتي غيرها من أي شخص يزور منطقة لأول مرة يجهل كل شيء فيها .
وحينما حطت بنا الطائرة كان توجهنا صوب فندق متحف أنطاكيا ، وهناك كانت الوقفة الأولى أمام التاريخ فأنطاكيا " تُعد أول مستوطنة في المنطقة ، وواحدة من أقدم المدن في العالم، حيث يعود تاريخها إلى 8000 سنة قبل الميلاد ، تأسست على يد سلوقس، أحد قادة الإسكندر الأكبر الذين تقاسموا إمبراطوريته بعد وفاته " .
كما تتمتع هاتاي بالمقومات السياحية السياحة الصحية ، إذ تعمل ينابيع إرزين الحرارية وينابيع الحمامات الحرارية في مدينة كومولو على جذب السياح الأتراك منهم والأجانب ، كما تحتضن مناطق تاريخية منها كنيسة القديس بيير، ودير القديس سمعان العمودي، ودير يايلاداغي بارليم، ودير مونت قيل بارليم، ومسجد حبيب النجار، ومسجد وقبر الشيخ أحمد القصيري، ومجمع محمد باشا الصقلي، ومجمع باياس الصقلي، والمسجد الكبير، وقلعة هقوص، وقلعة بغراس، وقلعة باياس، وقلعة المنجنيق، وحمامات سيندي، وحمامات السقا، والمحمية الطبيعية تيكوز كينجيرليدوز، والينابيع الحارة لحمامات ريحانلي، ومتحف آثار هاتاي، وأطلال عطشانة، ونفق تيتوس، وغيرها من المعالم السياحية.
ولأن رحلتي كانت ضمن وفد إعلامي لزيارة المناطق المتضررة بزلزال فبراير 2023 فلم يمنعني هذا من التعرف على المنطقة التي أزورها ، والوقوف على الأضرار التي لحقت بالسكان ، وما تم إنجازه لهم من أعمال .
وقبل لقاؤنا بوزير البيئة والتخطيط العمراني وتغير المناخ التركية ، السيد مراد قوروم ، وجدت أن قوة الزلزال بلغت 6.8 و 5.8 درجات على مقياس ريختر ، وتسبب في فقد 53.537 لحياتهم ، وإصابة 107.213 شخصا بجروح ، ومثل هذه الأرقام تشير إلى أن هناك أضرارا كبيرة ومن الصعب إزالتها خلال أعوام قلائل .
غير أن عملية إزالة الأضرار وإعادة البناء تسير بشكل جيد جدا ، وهذا ما اوضحه السيد الوزير بالشرح والتفصيل بدأ من لحظة وقوع الزلزال ، وما قدمته الحكومة التركية من عمليات انقاذ للأروح والممتلكات وما قامت به من علميات إعادة تأهيل للمناطق المتضررة وتوفير المساكن المناسبة للمتضررين من الزلزال ، موضحا أنه تم استثمار نحو 75 مليار دولار في جهود إعادة الإعمار في الولايات المتضررة ، مبينا أنه يتم الانتهاء من بناء وتسليم 23 منزلاً جديداً كل ساعة، أي بمعدل 550 منزلاً يوميا ، وبحلول 15 نوفمبر الجاري ستكون الدولة قد سلمت 350 ألف منزل ، وبنهاية العام فإن 453 ألف مسكن تكون قد سلمت للمواطنين المتضررين .
وقال السيد مراد قوروم إن 936 ألفا و159 مواطنا تقدموا بطلباتهم في اليوم الأول من مشروع "قرن الإسكان" ، مشيرا إلى أن " كل طلب هو تعبير عن ثقة مواطنينا بدولتنا، وسنرد على هذا الإقبال الكبير بأقوى وأحدث المنازل "
وتناول الوزير التركي بالشرح والتفصيل ما حدث في تركيا منذ لحظة وقوع الزلزال ، وما قدمته الحكومة التركية من عمليات انقاذ للأروح والممتلكات وما قامت به من علميات إعادة تأهيل للمناطق المتضررة وتوفير المساكن المناسبة للمتضررين من الزلزال ، موضحا أن تركيا ستوظف خبراتها المكتسبة خلال مرحلة إعادة الإعمار في قيادة وتوجيه مشاريع مستقبلية على المستوى الوطني ومن بينها "مشروع القرن للإسكان" الذي أعلن عنه في أكتوبر الماضي ويهدف لإنشاء 500 ألف منزل في كل الولايات التركية الـ81.
ولأن زياتنا مخصصة للمناطق المتضررة من الزلزال لذلك شملت عدة مدن منها مدينة كهرمان مرعش حيث قمنا بزيارة لعد أحياء سكنية حديثة تم ويتم بنائها ، ومنها الحي السكني الذي تكفلت ببنائه حكومة أذربيجان كجزء من جهودها لإعادة الإعمار بعد زلزال فبراير 2023 ، والواقع على مساحة 32 هكتارا ، ويتضمن الحي الذي تبلغ تكلفته 100 مليون دولار ، نحو 71 مبنى سكنيًا تضم 1323 شقة ، تتوزع غرفها ما بين غرفتين وثلاث وأربع غرف ، إضافة إلى إنشاء 799 منشأة تجارية ومرافق اجتماعية ، كما كانت لنا زيارة لمدرسة حيدر علييف التي تضم نحو ١٢٠٠ طالب وطالب ، وقبل مغادرتنا لكهرمان مرعش كانت لنا زيارة لمقر بلديتها حيث وقفنا أمام واجهة المبنى الذي حمل أسماء ضحايا الزلزال .
ومدينة غازي عنتاب التي تعرضت للزلزال ، فقد كانت لنا زيارة لها اطلعنا خلالها على بعض الأضرار وعمليات البناء ، وكانت لنا زيارة إلى متحفها الذي ضم مجموعة رائعة من الأعمال التي تم اكتشافها في المنطقة وتضم آثار لمدينة زيوغما الرومانية القديمة .
وإن كانت نتائج الزلزال تسببت في تدمير عدد من المدن التركية بشكل "يفوق الخيال" ، فإن عملية إعادة البناء التي أطلقتها الحكومة التركية ممثلة في وزارة البيئة والتخطيط العمراني وتغير المناخ ، حملت مقولة الإصرار والعزيمة هما مفتاح إعادة البناء والنجاح في مواجهة التحديات والصعاب ، ومن خلال قوة الإرادة والمثابرة ، التي لمستها وأعضاء الوفد الإعلامي يمكن القول بأن الفرد والمجتمع التركي استطاع التغلب العقبات وتحويل الفشل إلى نجاح للنهوض من جديد بالمدن المتضررة لتحقيق الأهداف المرجوة في توفير حياة آمنة ومستقرة للمواطنين ، ومستقبل مشرق للأجيال القادمة .