" بورصة " التركية "هدية الله" اشتقت اسمها من مؤسسها
كتب: أحمد صالح حلبي
خلال زياراتي المتواصلة لتركيا ، أحرص على أن تكون كل زيارة مختلفة عن سابقتها ، مستهدفا التعرف على مدن جديدة وعادات وتقاليد أهلها ومناخها ومواقعها السياحية ، وإن قيل في السفر سبع فوائد " تفريج هم ، واكتساب معيشة وعلم وآداب، وصحبة أخيار" ، فإن هناك فوائد أخرى منها الثقة بالنفس، وتعميق فهم الحياة ، والتعرف على الثقافات ، وفي السفر معرفة لتاريخ مدن وحضارات سابقة ، ومواقع سياحية تجذب الأفئدة قبل الأنظار .
وخلال إحدى زياراتي لتركيا كانت مدينة بورصة مقصدي لتميزها وجمالها ، وقربها من مدينة إسطنبول ، وقبل الحديث عنها وما تحمله من جمال في طبيعتها أتوقف أمام اسمها الذي عرفت به على مر التاريخ ، فاسمها كما يقال اشتق من اسم مؤسسها بروسياس ملك بيثينيا، وهو من سلالة ملوك حكموا مملكة بيثينيا الهلنستية في الأناضول .
ونواة بورصة كما يقال قامت " على ضفتي نهر جيلومبوز في موقع يعتقد أنه يعود إلى القرن السادس قبل الميلاد ويحدد بليني (بلينيوس) حيث نشأة المدينة عام 186 قبل الميلاد ، واحتلها ميتريداتس ملك البونت عام 73 ق.م حتى سقطت بيد الرومان وسُميت منطقتها مقاطعة رومانية تحمل اسم بيثينية عاصمتها نيكوميدية (إزميت) ثم احتلها البيزنطيون الذين ازدهرت بورصة في عهدهم، ونالت حماماتها المعدنية وقصرها شهرة واسعة وفي أواخر القرن الحادي عشر احتلها السلاجقة، ثم عاودتها الغزوات البيزنطية والصليبية ، وفتحها السلطان أورخان غازي في عام 1326م وأصبحت أول عاصمة للدولة العثمانية " ، وعرفت باسم " خداوندكار ، وتعني " هدية الله " ، لكونها كانت عاصمة الدولة العثمانية الثانية خلال الفترة من 1326 ــ 1365 ، وفي عام 1402 غزاها تيمورلنك ودمرها، ولكن بعد استرجاعها نقل العثمانيون مقر عاصمتهم منها إلى مدينة أدرنة عام 1413 ثم إلى مدينة إسطنبول (القسطنطينية) عام 1453 فتراجعت أهمية بورصة نسبياً ، وتشتهر حاليا باسم " بورصة الخضراء " ، نتيجة لكثرة حدائقها العامة ومتنزهاتها ، إضافة للغابات المتنوعة بها .
وتعتبر بورصة اليوم واحدة من أكثر المدن التركية جاذبة للسياح ، لما تضمه من مواقع تاريخية ومعالم حضارية وعمرانية ، ففيها (الجامع الكبير وجامع مراد الأول والجامع الأخضر وجامع المرادية ) ، ومدافن سلاطين آل عثمان وأسرهم وكذلك حمامات المياه المعدنية الحمام القديم والحمام الجديد وحمام قره مصطفى باشا وحمام أرموتولو للنساء وغيره والفنادق المزودة بالمياه المذكورة وغيرها من المنشآت السياحية والعلاجية ومن بينها منشآت خدمة الرياضة والسياحة الشتوية في جبل أُولوداغ .
وتمتاز بموقعها في شمال غرب تركيا حيث تطل على بحر مرمرة مما يمنحها موقعًا يجمع بين سحر الطبيعة وروعة الجبال ، وساهمت المسافة القصيرة بينها وبين إسطنبول في تمكين السائح من الوصول إليها بطريقة سهلة إما بواسطة السيارة برا ، أو عبر العبارة البحرية بحرا ، وساهم تنوع تضاريسها بين السهول الخصبة والجبال العالية مثل جبل أولوداغ، إضافة للغابات والوديان إلى منحها طبيعة جذابة ، مكنتها بأن تكون صاحبة جمال طبيعي .
ويعتبر جبل أولوداغ من أشهر معالمها الطبيعية ، إضافة إلى كونه من أعلى القمم في منطقة مرمرة، إذ يبلغ ارتفاعه نحو 2,543 مترًا فوق سطح البحر ، ويعتبر مقصدٌ لعشّاق التزلج والثلوج .
أما تلفريك بورصة الذي يعتبر من أطول خطوط التلفريك في العالم، حيث يمتد لمسافة تقارب 9 كيلومترات ويربط مركز بورصة بقمة جبل أولوداغ.
وتشتهر بورصة بينابيعها الحارة وحماماتها التركية التقليدية، وتتميز مياهها بدرجة حرارة مرتفعة وغنية بالمعادن، ما يجعلها مفيدة للعلاج الطبيعي والاستجمام، خاصة لعلاج آلام المفاصل والعضلات وأمراض الجلد.
وتتميز الحمامات التركية في بورصة بتصميمها التقليدي الرائع، مع قاعات كبيرة مغطاة بالقباب ونوافير مياه دافئة ومساحات مخصصة للبخار والتدليك.
وهناك شلال سعيد أباد الواقعة في منطقة كاستل على بُعد نحو 20 كيلومترًا من مركز المدينة ، وتتميز بمياهها النقية المتدفقة من بين الصخور وسط طبيعة خضراء ساحرة، مما يجعلها مكانًا مثاليًا للنزهات العائلية والاستمتاع بأجواء هادئة بعيدًا عن صخب المدينة .
كما يُعد شلال كوريكلي من أجمل المعالم الطبيعية في بورصة، لوقوعه في منطقة غابات خضراء وهادئة ، مما يمنحه جوًا من السكينة والاسترخاء.
وتعتبر حديقة الثقافات واحدة من أبرز الحدائق في مدينة بورصة ، لوقوعها في قلب المدينة، مما يجعلها وجهة سهلة الوصول للزوار والسكان المحليين . وأطلق عليها حديثة الثقافة لتنظيم الفعاليات الثقافية والفنية والمهرجانات بها على مدار العام .
وتعتبر قرية جومالي كيزيك الواقعة على أطراف بورصة من أقدم القرى العثمانية في تركيا ، وتتماز بمنازلها التقليدية المبنية من الخشب والطوب، وأزقتها الضيقة المرصوفة بالحصى ، وتقع على أطراف مدينة بورصة ، وقد تم إدراجها ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو .
ويعتبر الجامع الكبير من أهم المعالم التاريخية في بورصه وأحدا من أروع نماذج العمارة العثمانية المبكرة ، إذ بُني في أواخر القرن الرابع عشر بأمر من السلطان بايزيد الأول، ويتميز بقبابه العشرين وزخارفه الجميلة وخطوطه العربية المزخرفة على الجدران.
واليوم تحتضن مدينة جدة ملتقى الترويج السياحي لمدينة بورصة لتعريف الزوار بما تضمه من مواقع سياحية وفنادق ومطاعم ومقاهي ، كما يبرز الملتقى تلفريك بورصة الذي " يعد أطول خط تلفريك في العالم بطول يزيد عن 9 كيلومترات، ويربط بين مدينة بورصة وقمة جبل أولوداغ عبر أربع محطات رئيسية، مستغرقاً حوالي 22-30 دقيقة في رحلة بانورامية فوق غابات الصنوبر. تعمل المحطات بنظام آلي وتضم خدمات ترفيهية، تجارية، ومرافق سياحية، وتمتد من منطقة "تفرّج" صعوداً إلى منطقة الفنادق في الجبل " .