الفنان النحات / ربيع الأخرس الفن ليس مهنة… بل كائن حيّ يتنفّس
حوار خاص أجرته د. مها جمال الدين
في تجربة الفنان ربيع الأخرس، لا يبدو الفن مجرّد ممارسة بصرية، بل رحلة طويلة من الكشف الداخلي، والإنصات لما يتراكم في الروح عبر الزمن. لا يؤمن بالقوالب الجاهزة، ولا بفكرة تكرار الأسلوب من أجل صناعة “علامة” يسهل التعرف إليها. بالنسبة له، الفنان كائن متحوّل، وكل عمل جديد يجب أن يحمل أثر هذا التحوّل.
في هذا الحوار الخاص مع كريستال، يتحدث ربيع الأخرس عن الشغف، والخوف، والأعمال غير المكتملة، والطفل الداخلي الذي يحاول ألّا يسمح له بالموت، كما يكشف رؤيته الخاصة لمعنى الهوية الفنية، وعلاقته بالذاكرة والزمن.
كيف ترى العلاقة بين أعمالك الفنية وذاكرتك الشخصية؟
أعتقد أن الفنان يحمل داخله أرشيفًا طويلًا منذ الطفولة. أحيانًا يوقظ عملٌ ما ذكرى قديمة جدًا، لكنّها لا تعود كما كانت، لأن الزمن يمرّ فوقها، وتعلوها طبقات من الخبرة والتجربة والمشاعر.
ما يخرج في النهاية ليس استعادةً للماضي، بل ولادة جديدة له، ممزوجة بكل ما عشناه لاحقًا.
هل تؤمن بفكرة “الصدفة” في الفن؟
لا أحب وصفها بالصدفة.
أنا أراها نوعًا من الكشف.
الفنان يختزن داخله أشياء كثيرة دون أن ينتبه، ثم تظهر لاحقًا في لحظة معينة، لكن بصورة مختلفة عمّا كانت عليه في الأصل.
لهذا أؤمن أن العمل الفني لا يولد فجأة، بل يخرج من تراكم طويل وغير مرئي.
هل مررت بأعمال بدأت بها ولم تستطع إكمالها؟
كثيرًا.
هناك أعمال أتعبتني نفسيًا قبل أن تنتهي، وأخرى شعرت أن فكرتها لم تنضج بعد. عندما أصل إلى هذا الإحساس، أفضل أن أتوقف.
وماذا تفعل بهذه الأعمال غير المكتملة؟
أُبعدها عني.
لأن وجودها المستمر أمامي يجعلها تسحبني إلى الخلف، وكأنها تذكير دائم بشيء لم يكتمل. وأنا لا أحب أن أبقى معلّقًا بما لم يولد كما يجب.
ربما تعود الفكرة لاحقًا بشكل أنضج، لكن ليس من الضروري أن يظل الفنان أسير كل ما بدأه.
كيف توازن بين هويتك الفنية ومتطلبات السوق؟
في الحقيقة، أنا لا أفكر كثيرًا بمنطق “الهوية الفنية” بالشكل المتعارف عليه.
لا أحب أن أكرر نفسي فقط كي يتعرّف الناس إلى عملي بسرعة. بالنسبة لي، التكرار قد يتحول أحيانًا إلى نوع من الجمود.
أنا اليوم مختلف عمّا كنت عليه بالأمس، ومن الطبيعي أن ينعكس هذا التغيّر على أعمالي أيضًا.
لكن كثيرين يرون أن الهوية البصرية ضرورية للفنان…
إذا كانت الهوية تعني الروح، فأنا مع ذلك تمامًا.
أما إذا كانت مجرد شكل متكرر أو رمز ثابت يوضع في كل عمل، فأنا لا أؤمن بهذا النوع من الهوية.
روح الفنان تظهر عبر مجمل تجربته، لا عبر تكرار عنصر بصري واحد.
هل تخاف من فقدان الشغف؟
بالتأكيد.
أعتقد أن أخطر ما قد يفقده الفنان هو دهشته الأولى. لذلك أحاول دائمًا أن أحافظ على الطفل الذي بداخلي.
الطفل هو مصدر الفضول، واللعب، والاندهاش، والرغبة في التجربة. وعندما يموت هذا الطفل، يتحول الفن إلى وظيفة باردة.
لو عاد بك الزمن، ما النصيحة التي كنت ستمنحها لنفسك؟
ربما كنت سأهتم أكثر بالجانب المالي.
أنا لم أكن يومًا شخصًا ماديًا، وربما لو انتبهت لهذا الجانب مبكرًا لكان وضعي مختلفًا اليوم. لكن في المقابل، أشعر بالامتنان لأن المادة لم تفسد علاقتي بالفن.
أما النصيحة الأهم، فهي ببساطة:
“كن نفسك فقط.”
بعيدًا عن الرسم، هل كان لديك حلم آخر؟
كان لدي مكان قديم في دمشق، وكنت أحلم بتحويله إلى مساحة يلتقي فيها الفنانون، مكان للتجارب والحوار والخلق الفني.
لكن الحياة تغيّر الأحلام أحيانًا، خصوصًا حين تمرّ المدن بالحروب.
أخيرًا، كيف يعرّف ربيع الأخرس نفسه؟
لا أعرف إن كان على الفنان أن يعرّف نفسه أصلًا.
لكن ما أعرفه أنني لا أحب الأقنعة، ولا أحب أن أتحول إلى نسخة ثابتة من نفسي فقط لإرضاء توقعات الآخرين.
أنا فقط أحاول أن أكون صادقًا مع اللحظة… ومع الطفل الذي ما زال يعيش داخلي